الخطيب الشربيني
604
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
والنحوص : من الأتن التي لا لبن لها . ولما قالوا ذلك أنزل الله تعالى تكذيبا لهم : لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي ، أي : يكفي كفاية مبتدأة مِنْ جُوعٍ فلا يحفظ الصحة ولا يمنع الهزال فنفى السمن والشبع عنه ، وعلى تقدير أن يصدقوا فيكون المعنى : أنّ طعامكم من ضريع ليس من جنس ضريعكم إنما هو ضريع غير مسمن ولا مغن من جوع . فإن قيل : كيف قيل : لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ وفي الحاقة : وَلا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [ الحاقة : 36 ] ؟ أجيب : بأنّ العذاب ألوان والمعذبون طبقات ، فمنهم أكلة الزقوم ، ومنهم أكلة الغسلين ، ومنهم أكلة الضريع لكل باب منهم جزء مقسوم . ولما ذكر تعالى وعيد الكفار أتبعه بشرح أحوال المؤمنين فقال تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ، أي : يوم تغشى الناس ووصفها بصفات الأولى قوله تعالى : ناعِمَةٌ ، أي : ذات بهجة وحسن كقوله تعالى : تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ [ المطففين : 24 ] أو متنعمة . قال مقاتل : في نعمة وكرامة . الصفة الثانية : قوله تعالى : لِسَعْيِها ، أي : في الدنيا بالأعمال الصالحة راضِيَةٌ ، أي : في الآخرة بثواب سعيها حين رأت ما أدّاهم إليه من الكرامة . الصفة الثالثة قوله تعالى : فِي جَنَّةٍ ثم وصف الجنة بصفات الأولى قوله تعالى : عالِيَةٍ ، أي : علية المحل والقدر ، والصفة الثانية : قوله تعالى : لا يسمع فيها لاغية قرأ بالتاء الفوقية نافع مضمومة لاغية بالرفع ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء التحتية مضمومة لاغية بالرفع لقيامها مقام الفاعل ، والباقون بالتاء الفوقية مفتوحة لاغية بالنصب فيجوز أن تكون التاء للخطاب ، أي : لا تسمع أنت وأن تكون للتأنيث ، أي : لا تسمع الوجوه ، واللغو وقال ابن عباس : الكذب والبهتان والكفر بالله تعالى . وقال قتادة : لا باطل ولا إثم . وقال الحسن : هو الشتم . وقال الفراء : الحلف الكاذب ، والأولى كما قيل : لا يسمع في كلامهم كلمة ذات لغو ، وإنما يتكلمون بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم وهذا أحسن الأقوال قاله القفال . وقال الكلبي : لا يسمع في الجنة حالف بيمين لا برّة ولا فاجرة . الصفة الثالثة : قوله تعالى : فِيها ، أي : الجنة عَيْنٌ جارِيَةٌ قال الزمخشري : يريد عيونا في غاية الكثرة كقوله تعالى : عَلِمَتْ نَفْسٌ [ التكوير : 14 ] وقال القفال : فيها عين شراب جارية على وجه الأرض في غير أخدود ، وتجري لهم كما أرادوا . الصفة الرابعة : قوله تعالى : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ، أي : عالية في الهواء . قال ابن عباس : ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة في السماء ما لم يجئ أهلها ، فإذا أرادوا أن يجلسوا عليها تواضعت ثم ترتفع إلى مواضعها . الصفة الخامسة : قوله تعالى : وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ جمع كوب ، وهي الكيزان التي لا عرى لها . قال قتادة : فهي دون الإبريق . وفي قوله تعالى : مَوْضُوعَةٌ وجوه أحدها : أنها معدّة لأهلها كالرجل يلتمس من الرجل شيئا فيقول هو ههنا موضوع بمعنى معدّ . ثانيها : موضوعة على حافات العين الجارية كلما أرادوا الشرب وجدوها مملوءة من الشراب . ثالثها : موضوعة بين أيديهم لاستحسانهم إياها بسبب كونها من ذهب أو فضة أو من جواهر وتلذذهم بالشرب فيها . رابعها : أن يكون المراد موضوعة عن حدّ الكبر ، أي : هي أوساط بين الكبر والصغر كقوله قَدَّرُوها تَقْدِيراً [ الإنسان : 16 ] .